سيد قطب

1879

في ظلال القرآن

وتهدأ العاصفة ، ويخيم السكون ، ويقضى الأمر ، ويتمشى الاستقرار كذلك في الألفاظ وفي إيقاعها في النفس والأذن : « وَقِيلَ : يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ، وَيا سَماءُ أَقْلِعِي ، وَغِيضَ الْماءُ ، وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ، وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . . ويوجه الخطاب إلى الأرض وإلى السماء بصيغة العاقل ، فتستجيب كلتاهما للأمر الفاصل فتبلع الأرض ، وتكف السماء : « وَقِيلَ : يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي » . . « وَغِيضَ الْماءُ » . . ابتلعته الأرض في جوفها وغار من سطحها . « وَقُضِيَ الْأَمْرُ » . . ونفذ القضاء « وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ » . . ورست رسو استقرار على جبل الجودي . . « وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . . وهي جملة مختصرة حاسمة معبرة عن جوها أعمق تعبير . . « قيل » على صيغة المجهول فلا يذكر من قال ، من قبيل لف موضوعهم ومواراته : « وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ » . . بعدا لهم من الحياة فقد ذهبوا ، وبعدا لهم من رحمة اللّه فقد لعنوا ، وبعدا لهم من الذاكرة فقد انتهوا . . وما عادوا يستحقون ذكرا ولا ذكرى ! والآن وقد هدأت العاصفة ، وسكن الهول ، واستوت على الجودي . الآن تستيقظ في نفس نوح لهفة الوالد المفجوع : « وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ ، فَقالَ : رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ ، وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ » . رب إن ابني من أهلي ، وقد وعدتني بنجاة أهلي ، وإن وعدك الحق ، وأنت أحكم الحاكمين . فلا تقضي إلا عن حكمة وتدبير . . قالها يستنجز ربه وعده في نجاة أهله ، ويستنجزه حكمته في الوعد والقضاء . . وجاءه الرد بالحقيقة التي غفل عنها . فالأهل - عند اللّه وفي دينه وميزانه - ليسوا قرابة الدم ، إنما هم قرابة العقيدة . وهذا الولد لم يكن مؤمنا ، فليس إذن من أهله وهو النبي المؤمن . . جاءه الرد هكذا في قوة وتقرير وتوكيد ؛ وفيما يشبه التقريع والتأنيب والتهديد : « قالَ : يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ، إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ . إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » . .